عبد الوهاب الشعراني
320
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
الأصدقاء فضلا عن غيرهم يستر عورة إذا اطلع عليها بل ينشرها في الناس ، وكلما وصيته على الكتمان تحركت عنده الداعية للإفشاء . وقد قال الإمام الغزالي : لا تركن إلى صديق حتى تمتحنه غاية الامتحان ، فربما أحصى عليك الزلات حال رضاه عنك ليهجوك بها حال سخطه عليك ، كما هو مشاهد كثيرا فيمن يصحب الناس لغير اللّه . بل وقع لسيدي يوسف العجمي أن شخصا مكث عنده نحو ثلاث سنين بطلب الطريق إلى اللّه تعالى والشيخ لا يلتفت إليه ، فلما أكثر على الشيخ قال له : يا ولدي أنت عندي بمنزلة ولدي ، ومقصودي أن تستر علي ، فإني قتلت نفسا هذه الليلة رأيتها بين عيالي وها هو في ذلك الفرد الخوص فاحمله في هذه الليلة واخرج به إلى الكوم وادفنه ولك عندي دينار ذهبا ففعل الشخص ذلك ، ثم إن الشيخ تنكر على ذلك المريد ثاني يوم وأمر بإخراجه من الزاوية ورمى حوائجه في الشارع ، فما شعر الشيخ إلا ومقدم الوالي ونائبه جاؤوا إلى الشيخ واتهموه بقتيل وقالوا معنا بينة تشهد بموضع دفنه ، فأمر الشيخ بعض الفقراء أن يذهب معهم إلى الكوم فاستخرجوا الفرد وفتحوه فإذا هو خروف ، فمقت ذلك الفقير واتهم بالزغل فشنقوه بعد جمعة . وحكى لي الشيخ شمس الدين البوصيري أنه خدم سيدي الشيخ أبا السعود الجارحي نحو ثلاثين سنة والشيخ آخذ حذره منه ، فقال له يوما : يا سيدي مرادي تطلعني على شيء من أسرار أهل اللّه عز وجل ، فقال : يا محمد واللّه ما ائتمنك على إخراج ريح أخرجه بحضرتك خوفا أن تحكيه للناس . وبالجملة فيحتاج من يخالط الناس اليوم إلى أن يروض نفسه حتى يكون كعالية ، العوال في الدقاف ويصير يخشى اللّه بالغيب ويخاف أن يمقته إذا ذكر أحدا من عبيده بسوء لا سيما العلماء العاملون والفقراء الصادقون فإن ملاحظهم دقيقة ، وربما ظن بعض المجادلين في عقائدهم نقصا أو في أعمالهم خللا فيحكي ذلك للناس من غير أن يراجعهم في ذلك فيمقته اللّه ، لأن كل من استند إلى اللّه دون خلقه كان اللّه له بالنصر وهذا شأنهم على الدوام ؛ لا يعولون قط على نصرة مخلوق ولا يشتكونه من بيت حاكم ، ولو فعل معهم ما فعل فلما أكرموا عبيده لأجله كذلك أكرمهم وأجلهم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من ادعى أنه من أهل اللّه ولم يتحمل الأذى من عبيده فقد كذب . وسمعت مرة أخرى يقول : إذا نازعتك نفسك في إظهار عورة مسلم فقل لها انظري ثمرة ذلك ، فإنك إذا أظهرتيها للناس لا بد من إظهار جميع زلاتك على رؤوس الأشهاد يوم القيامة حتى تفتضحي بحضرة من كان يعتقد فيك الصلاح في الدنيا ، فربما أن النفس تكتم ما رأت ، وليتأمل الذي يظهر عورات الناس بعينه يجد نفسه أغضب اللّه ، وتعرض للهتيكة ولا يعطيه الناس لأجل ذلك شيئا ، إنما ذلك رفث ومقت وفسوق لا غير نسأل اللّه تعالى العافية . وبالجملة فلا يتجسس على العورات إلا فاسق ، فإن القلب المطهر من السوء لا يظن في الناس إلا خيرا . ورأى سيدي مدين فقيرا